معجزة لانس الكروية: كيف قهر “الدم والذهب” جبروت باريس سان جيرمان ليعلن ولادة قوى فرنسية جديدة؟
لم تكن مدرجات ملعب بولارت-ديلشيه (Stade Bollaert-Delelis) في السادس عشر من أغسطس 2026 مجرد مسرح لمباراة كرة قدم عادية في كأس الأبطال الفرنسي (السوبر الفرنسي) ؛ بل كانت شاهداً على كتابة واحدة من أكثر الملاحم الكروية صخباً وإثارة في التاريخ الحديث للكرة الفرنسية . وتحت أنظار أسطورة التدريب والمدير الفني الجديد للمنتخب الفرنسي، زين الدين زيدان، الذي راقب المباراة باهتمام بالغ من المنصة الشرفية ، نجح فريق لانس (Lens) بعشرة لاعبين في الإطاحة ببطل الدوري المهيمن، باريس سان جيرمان، بهدف نظيف ليحقق أول لقب سوبر في تاريخه .
هذا التتويج التاريخي جاء ليعلن رسمياً أن معجزة لانس في الموسم الماضي لم تكن ضربة حظ عابرة، بل هي ولادة مشروع حقيقي مبني على الصلابة والتخطيط الذكي القادر على مقارعة المليارات الباريسية .
تفتيت معجزة موسم 2025/2026: كيف بدأ الإعجاز مع بيير ساج؟
قبل فهم ما حدث في ليلة السوبر التاريخية، يجب أن نعود خطوة إلى الوراء لنشاهد كيف تأسست هذه المعجزة في موسم 2025/2026 .
تحت قيادة المدرب العبقري بيير ساج (Pierre Sage)، قدّم لانس موسماً إعجازياً بكل المقاييس في الدوري الفرنسي الممتاز (Ligue 1) ، حيث:
- وصافة الدوري الفرنسي: أنهى لانس الموسم في المركز الثاني برصيد 70 نقطة، مقلصاً الفارق مع البطل باريس سان جيرمان (76 نقطة) إلى 6 نقاط فقط .
- قلعة بولارت الحصينة: تحول ملعب لانس إلى مقبرة حقيقية للمنافسين بـ 14 انتصاراً على أرضه طوال الموسم .
- كأس فرنسا الأول تاريخياً: توج الفريق بلقب كأس فرنسا للمرة الأولى في تاريخه الممتد، بعد فوز تكتيكي باهر بنتيجة 3-1 على نادي نيس في المباراة النهائية .
هذا الأداء الخارق منح لانس تذكرة عبور مباشرة إلى دوري أبطال أوروبا ، لكنه فرض عليه أيضاً تحدياً ضخماً: كيف يستمر المشروع بعد مغادرة مهندس المعجزة؟ حيث شد بيير ساج الرحال سريعاً لتدريب كريستال بالاس في الدوري الإنجليزي الممتاز فور انتهاء الموسم .
الحقبة الجديدة تحت قيادة توبمولر
لم تقف إدارة لانس مكتوفة الأيدي؛ بل سارعت لتعيين التكتيكي الألماني دينو توبمولر (Dino Toppmöller)، مدرب آينتراخت فرانكفورت السابق، بعقد يمتد حتى عام 2028 . ويمتاز توبمولر باعتماده على نظام هجومي مرن وجريء يعتمد على رسم 3-4-2-1 و3-4-3 الهجومي .
ولضمان نجاح هذا النظام وتفادي الهبوط الفني بعد رحيل القائد أدريان توماسون، والمدافع مالانغ سار، والجناح آلان سانت ماكسيمين ، تحرك النادي بذكاء شديد في سوق الانتقالات من خلال انتداب عناصر تجمع بين الخبرة الكروية والتعطش للألقاب:
- ثورغان هازارد (Thorgan Hazard): عاد الدولي البلجيكي إلى فرنسا بعقد حتى 2028 بعد موسم انفجاري في بلجيكا شهد مساهمته في 20 هدفاً .
- ميكائيل كويسانسي (Michaël Cuisance): لاعب الوسط الموهوب وصل من هرتا برلين بعقد طويل الأمد حتى 2030 لضبط إيقاع اللعب .
- ميكال سكوراس ومايك ناووركي: لتدعيم الخيارات الدفاعية الهجومية والعمق التكتيكي المطلوب للمشاركة القارية .
ملحمة كأس السوبر الفرنسي
دخل باريس سان جيرمان مباراة السوبر وهو المرشح الأول فوق العادة، خاصة بعد تتويجه بلقب السوبر الأوروبي قبل أربعة أيام فقط بفوزه على أستون فيلا بنتيجة 2-1 في سالزبورغ . لكن لانس توبمولر كان لديه رأي آخر .
1. لدغة توفان القاتلة (الدقيقة 32)
بدأت اللقطة بضغط متبادل، قبل أن يرسل عبد الله سيما الكرة إلى ماتيو أودول، الذي سدد كرة عرضية أرضية زاحفة مرت من الجميع لتجد النجم المخضرم وقائد لانس فلوريان توفان (Florian Thauvin) غير المراقب عند القائم البعيد، ليسددها بهدوء في شباك الحارس ماتفي سافونوف معلناً التقدم بـ 1-0 .
2. زلزال الطرد وكارثة النقص العددي (الدقيقة 39)
لم تدم فرحة لانس طويلاً؛ ففي الدقيقة 39 أشهر الحكم جيريمي بينيار البطاقة الحمراء المباشرة في وجه المدافع المراهق كيليان أنطونيو بعد تدخل متهور على قصبة ساق مهاجم باريس مغنيس أكليوش . طرد أجبر لانس على اللعب بعشرة لاعبين لأكثر من 50 دقيقة كاملة تحت وطأة هجوم كاسح للعملاق الباريسي .
3. الصمود الأسطوري لـ “روبن ريسر”
هنا تحول اللقاء إلى جدار تكتيكي حديدي؛ تراجع لانس إلى تكتل دفاعي منخفض ومكثف مصدراً هجمات مرتدة سريعة . باريس سان جيرمان فرض سيطرة مرعبة بنسبة استحواذ بلغت 69% وشن 22 تسديدة كاملة على المرمى . لكن كل تلك المحاولات تحطمت عند أقدام وجسد الحارس الشاب روبن ريسر (Robin Risser) . ريسر قدّم مباراة العمر بتصديات إعجازية أمام كفاراتسخيليا ، ثم أمام البديل عثمان ديمبيلي وفابيان رويز . وحتى عندما استقبلت شباكه هدفاً من رويز، تدخلت تقنية الفيديو لتلغيه بداعي التسلل الدقيق .
4. نهاية التكافؤ والضربة القاضية
حالة التوتر الباريسي تزايدت لتنتهي المباراة بطرد مدافع باريس نونو مينديز بالبطاقة الحمراء المباشرة في الدقيقة 87 بعد توجيهه ضربة بالمرفق في وجه لاعب لانس ميكال سكوراس . ورغم إلغاء هدف ثانٍ للانس سجله ماتيو أودول للتسلل ، إلا أن صافرة النهاية أعلنت فوز لانس 1-0 وتتويجه بأول كأس أبطال في تاريخه، ثأراً لخسارته أمام نفس المنافس قبل 28 عاماً وتحديداً في نسخة عام 1998 !
هل يقدر لانس على تدمير هيمنة باريس؟
لم يعد السؤال اليوم هو “هل لانس فريق جيد؟”، بل أصبح “هل يستطيع لانس الفوز بلقب الدوري الفرنسي لموسم 2026/2027؟” .
تكتيكياً، يملك لانس مقومات البطل؛ فالعمق الدفاعي والصلابة البدنية والقدرة الإعجازية على الصمود بـ 10 لاعبين ضد أقوى خطوط هجوم أوروبا تثبت أن الفريق جاهز للذهاب بعيداً . إلا أن المعضلة الحقيقية تظل في عمق التشكيل؛ فخوض منافسات الدوري الفرنسي بالتزامن مع المغامرة القارية الحارقة في دوري أبطال أوروبا يتطلب نفساً طويلاً ومداورة مستمرة قد لا تسعف الفريق أمام دكة بدلاء باريس سان جيرمان التي لا تنضب .
ولكن الأكيد أن لانس لم يعد مجرد حصان أسود؛ بل هو تهديد مرعب وشرعي لعرش العاصمة الفرنسية .